أخبار وطنية قبل وفاتها: شهادة نادرة ترويها المرحومة آمنة حشاد عن مسيرة الزعيم الشهيد فرحات حشاد وما عاشته معه
توفيت آمنة أم الخير حشاد، أرملة الشهيد والزعيم الوطني والنقابي فرحات حشاد، مساء يوم الأربعاء 14 فيفري 2018. وننقل لكم في هذا المقال تسجيلا أنجزته السيدة الدّو القايد وصدر في كتاب "منارات الفجر-تونسيات على درب النضال 1900-1956".
تقول: أنا آمنة بنت احمد حشاد أوأم الخير وابنة فطومة عاشور، ولدتُ بالعباسية بجزيرة قرقنة في 24 أفريل 1930.
" توفي والدي وعمري خمسة أشهر واحتضنتني والدتي إلى أن بلغت سن الرشد المتعارف عليه آنذاك أي سن الثانية عشر. زوجتني والدتي من قريبها الشاب فرحات بن محمد حشاد وذلك سنة 1942، وأقيم حفل زواجنا في جزيرة قرقنة. كان عمره آنذاك 29 سنة، وأنا في الثالثة عشر من عمري. ونظرا لصغر سني وطيبة قلبه، طلب سي فرحات من والدتي الأرملة أن تعيش معنا وتبقى إلى جانبي، وفعلا لم تفارقني والدتي إلى أن توفيتْ.
سي فرحات كان عطوفا على والدته ولا يتردد في مساعدتها في القيام بشؤون الأسرة والخدمات الفلاحية والبحرية. وكان يتألم عندما يرى بعض النساء الحوامل يحملن الأشياء الثقيلة على ظهورهن أو يقمن بأعمال فلاحية شاقة، فلا يتردد في التعبير عن استنكاره ويقول: 'يا رسول الله كيفاش مرا حبلى تهز هذا الكل... هذا ما يصيرش، «كان سي فرحات يناديني بأم الخير عوض آمنة، يقول لي إن هذا الاسم طالع سعد عليه. بعد سنة من زواجنا، وعلى إثر نجاحه في مناظرة بالأشغال العامة، انتقلنا من قرقنة إلى صفاقس، وبقيت إلى جانبه أقاسمه الحياة وأتحمل مسؤولية الأطفال والبيت رغم صغري.
وفي سنة 1946، عندما بدأ سي فرحات في تكوين الإتحاد العام التونسي للشغل، انتقلنا إلى تونس. وأقمنا في منزل أحد أقاربنا بصلامبو لمدة 6 أشهر. ثم أجّرنا شقة في نهج المستيري (قرب الحلفاوين) لمدة عامين. وبما أن سي فرحات لم يكن لديه الوقت الكافي ليهتم بشؤون الأبناء في الدراسة، خيّر أن ننتقل إلى رادس قرب بعض الأقارب وحذو المدرسة.
سي فرحات كان متمسكا بالعادات والتقاليد الأصيلة، لا يتخلى عن ارتداء المعطف و(الكبّوس)، ووفيا للأعياد والمناسبات الدينية، فكان في عيد الأضحى مثلا يقو م بذبح الخروف ويساعدني على شؤون البيت، بل هو الذي علمني فنون الطبخ. وكان بيتنا قبلة للزوار والأحباب. وفي الفترة القصيرة التي يقضيها مع الأبناء، كان يداعبهم ويتحدث معهم عن دراستهم ويحرص على تغذيتهم، وعندما يتقدم إلى المائدة كان كثيرا ما يقول 'أنا كي نشوفهم نشبع'. كان في بعض الأحيان يأخذ الأبناء إلى "شط رادس" لتسليتهم والترويح عنهم. وكان أيضا من أنصار تطور المرأة، وتعرفت على بعض النساء المناضلات في الحركة الوطنية والنقابية، وكنت قريبة من البعض منهن مثل بشيرة بن مراد وشريفة المسعدي وأسماء بالخوجة وزكية الباي وغيرهن.

صورة نادرة للسيدة آمنة حشاد مع ابنتها جميلة نشرت في صورة الغلاف لأول عدد من مجلة المرأة
قضيت مع زوجي أجمل فترات عمري. عرفت فيه الزوج العطوف والزعيم الذي لا يعرف الراحة، فحوّل حياتي من شابة تنقصها الخبرة، إلى امرأة ناضجة صبورة مؤمنة بكل ما يقوم به من عمل ونضال. علّمني الشعور بالاعتزاز والكرامة والصبر وتحّمل المسؤولية، ووجد مني الإخلاص والتشجيع بالرّغم من الصعوبات المادية وقسوة الحياة.
أذكر أنه عندما عزمنا على ختان أبنائنا، أعلمني في الليل أنه لن يكون موجودا بسبب اجتماع نقابي هام في سوسة، فقلت له: 'كيفاش ياخي هوما يتامى؟'، وبالفعل ذهب إلى الاجتماع، وحضر أصدقاؤه، بينما لم يحضر هو إلا في الواحدة صباحا.
ومن المواقف التي بقيت راسخة في ذهني، أنه سنة 1948 وقبل حلول عيد الفطر بيوم، لم يكن لدينا في المنزل أي شيء لقوتنا اليومي، فسألني: 'عندكشي طرف فلوس نعطيهم للناس في دار الإتحاد، ثمة ناس تو نعرضهم في الإتحاد ما عندهمش آش ياكلو' فأجبته بالنفي، لكنه كرر الطلب بابتسامته المعهودة، واستجبت لطلبه. كانت لدي 900 فرنك سلمتها له، على أساس أن يأخذ منها قسطا ويشتري لنا بعض الحاجيات للأسرة، لكن سي فرحات لم يعد، فاضطررت إلى إعداد "عصيدة بالفرينة" للأبناء وقت الغداء. وفي الثالثة ظهرا حل صحبة جمع من أصدقائه، فوجدت نفسي في وضعية محرجة، قلت له: 'آش نفطرهم؟' فأجابني بروح الدعابة والنكتة التي تميزه قائلا: 'هاذوما جاو باش يلعبو ويضحكو معايا شوية وباش يخدمو شوية'.
وكان رغم تعبه والمشاكل التي تعترضه، عندما يحل بالبيت، يرمي كل أحزانه خارجه، ويدخل إلى أبنائه بوجه بشوش. ولم يحدث أن جد بيننا أي خلاف. كان يداعب الأبناء ويردّد دائما بابتسامة: 'يا صبوركم يا صبوركم' أي "يا صبركم". وهذه العبارات ظننتها آنذاك 'تربيجة' لكنها في الواقع كانت تنبئ بأن سي فرحات كان يتوقع مصيره، وهذا ما علمته من أقرب أصدقائه، فلم يكن سي فرحات ليخاف الموت في سبيل الوطن.
أعرف أن سي فرحات كان يشجع النساء في المنظمات، ويساند منظمة الإتحاد النسائي الإسلامي، وله علاقة تعاون مع السيدة بشيرة بن مراد، ويكن لها كل التقدير. وأعلم أنه في سنة 1950 و1951 كانت السيدة شريفة المسعدي عضوا في الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل، وهي المرأة الوحيدة التي كانت تشارك في كل التّظاهرات في الصفوف الأمامية.
في سنة 1951، ذهب سي فرحات إلى "سان فرانسيسكو" بالولايات المتحدة. وخطب أمام ما يناهز الألف نقابي أمريكي في مؤتمر النقابات الأمريكية، وأثّر على الرأي العام. ثم ألقى خطابا على قبر "روزفالت" بحضور أرملته، وتحدّث عن معاناة الشعوب من الفقر والاستعمار، متحسّرا عليه، إلى درجة أن أرملة "روزفالت" بكت تأثّرا.

آخر صورة التقطت للشهيد فرحات حشاد في 3 ديسمبر 1952 قبل استشهاده بيومين
كنت خائفة دائما عليه من السّجن، وأذكر أني قلت له يوما: 'ياسي فرحات راني خايفة عليك من الحبس..' أجابني: 'آش خص.. لو كان تقرا الفاتحة وندخل الحبس، تو نلقى الوقت باش نقرى الانقليزية مليح على خاطر اللي ما يعرفش الانقليزية توه يتسمى جاهل في الأوساط العليا.
سي فرحات كان يطالع يوميا الجرائد، ويكتب في البعض منها، ويحرص على تحسين مستواه التعليمي، وتعلّم اللغات خاصة الإنكليزية. كان يود التحدث إلى الأمريكيين مباشرة بلغتهم.
حادثة اغتيال الزعيم فرحات حشاد كما روتها زوجته:
"يوم الأحد 29 نوفمبر 1952، طلب مني سي فرحات السفر صحبة الأطفال إلى سوسة حيث يقطن عمّه. وكان يوما لا ينسى. وبما أن نور الدين كان يدرس، فقد تركه في رادس لدى صديقنا الوفي السيد مصطفى الفيلالي، وقد رتب في ذلك اليوم كل شيء، وأوصاني خيرا بالأبناء قائلا: 'ما عاد عندك حتى شيّ، باش تتلهى كان بالاولاد. رد بالك عليهم'. وتساءلت، ثم عرفت فيما بعد أنه تلقى تهديدا بقتله وعائلته من طرف "اليد الحمراء"، بعد ما تعرضنا إلى محاولة وضع قنبلة أمام المنزل قبلها بأيام.
نهضت يومها في الصباح فوجدته بجانب فراش "جميلة" وهو يداعبها ويضحك، فقلت له: 'علاش تضحك'، قال لي: 'نضحك عليهم'، قلت له: 'اشكون هوما'، أجابني: 'تو ايجيش البالك واحد كيفي أنا، أي واحد ينجم يقتلني من غير حتى عناء، وهومة معرضينلي عسكر في قمبطّة (شارع محمّد الخامس حاليا) حتى حلق الوادي وعلى اليمين وعلى اليسار باش يقتلوني؟'، سألته: 'هذا يضحّك؟'، قال لي: 'اشنوة أنا حتى يعملولي ها القاوق الكل باش يقتلوني؟'، انفعلت فأجابني أنه حلم مزعج حلم به ليلة البارحة. وهو في الواقع كابوس.
كان في جيبه ورقة تهديد بالقتل. ولكنه أخفى عنّي الأمر، ولم يظهرحزنا، ولم تغادره ابتسامته المعهودة. رغم أنه لاحظ وجود سيارة تراقبه يوميا منذ خروجه من المنزل حتى العودة إليه يوميا. ولم يتوقع مسألة الموت، كان يتوقع مراقبة تحرّكه في كل المجالات.
الفاجعة الأ ليمة:
ليلة 5 ديسمبر 1952، كنت شديدة القلق على زوجي. وفي منتصف النهار، سمعت عبر الإذاعة باللّغة الفرنسية نبأ اغتيال الزعيم فرحات حشاد، ثم كذبوه. وبين التّكذيب والتّأكيد اختلفت الأخبار في تونس. فالبعض بلغهم خبر الاغتيال، والبعض الآخر بلغهم أنه على قيد الحياة، ولكن الخبر أصبح يقينا. وعمّت الأحزان في العائلة وفي البلاد عامة، وأغلقت المحلات العمومية، وعبّرت البلاد عن مصابها بكل وسائل التعبير عن الفاجعة.
سيارة الشهيد بعد عملية الاغتيال
يوم 6 ديسمبر 1952، انتقلنا من رادس إلى صفاقس بواسطة سيارة أجرة، ومن صفاقس تحولنا إلى قرقنة عبر وسيلة نقل بحرية Vedette تابعة لإدارة الأشغال العمومية.
وفي عرض البحر (الحي) جاءت الباخرة لتسلّمنا التابوت، تفاديا لتنظيم مظاهرات عند مرور جثمان سي فرحات في البر. وكان التابوت مرفوقا بـ50 عسكريا لتأمين عملية الدّفن بكل هدوء في جزيرة قرقنة. وتذكرت ما رواه لي في حلمه المزعج قبل أيام.
في جزيرة قرقنة كانت السّلطة الوحيدة الموجودة آنذاك "الشيخ" الذي جاءته التعليمات لإعداد قبر. ولكن الأهالي والعائلة جهّزوا قبرا آخر قرب منزل والده. وأثناء الحفر عثروا صدفة على كمية هائلة من السلاح المعدّ للثوار وذلك قبل قدوم السّلطات.
وفي ذلك اليوم، قام الاستعمار بقطع كل الخطوط الهاتفية، وعمدوا إلى الإسراع بالدفن لكي لا ينتشر الخبر. لكن الأهالي بلغهم نبأ استشهاد فرحات حشاد، فتظاهروا في كامل الجزيرة إضافة لكامل البلاد التونسية.
وبما أن التابوت كان مغلقا، فقد أصررت على فتحه لأتأكد أوّلا من وجود زوجي داخله، وثانيا لألقي نظرة الوداع على شي فرحات الشهيد والزعيم المخلص والزوج العطوف. وبعد صراع مع "الشيخ" فتحنا التابوت، ورأيت شي فرحات وكأنه حيّ بابتسامته المعهودة، وعيناه شبه مفتوحتين.
وقمت وأخيه حسن وابني نور الدين الذي كان عمره آنذاك 8 سنوات ومعنا ثلة من المناضلين بتوديع جثمان الشهيد الوداع الأخير. ودفن أمام المنزل بالعباسية بجزيرة قرقنة.
ثم رجعت وأبنائي إلى تونس، حيث كنا نقيم بمدينة رادس بالمراح في بيت مؤجربرادس. واجهت كل المحن. وتفرغت تماما لأبنائي عملا بوصيته وحرصت على أن أكون لهم الأب والأم. ولا أنكر وقوف كل المناضلين والأصدقاء والمنظمة النقابية إلى جانبي. وبفضل التبرعات التي تم جمعها من المواطنين، تمكنوا من تشييد مسكن لنا بمنفلوري. وانتقلنا من رادس إلى منفلوري. وبقي ضريح سي فرحات بقرقنة إلى غاية 5 ديسمبر 1955. وفي كل مناسبة دينية وذكرى لوفاته نقوم بزيارة ترحم على روحه الطاهرة
عضوات من شعبة الربض في زيارة إلى بيت الشهيد فرحات حشاد من اليسار إلى اليمين الناصر حشاد فاطمة القايد السيدة آمنة حشاد السيدة الدو وأمامها نور الدين وعلى يساره نزيهة صوة وخلفها صالحة القايد بين أحضانها سميرة ابنة الشهيد ثم جدتها

صورة الجنازة عند نقل جثمان الشهيد من أرشيف السيدة القايد الخاص
في سبتمبر 1955 قرر الإتحاد العام التونسي للشغل تنظيم جنازة وطنيةانطلقت من جزيرة قرقنة إلى صفاقس، وصولا إلى تونس، وقوفا ببعض المدن.
وفي ذلك التاريخ كان النزاع قائما بين الزعيمين صالح بن يوسف وبورقيبة. وعندما عاد بن يوسف من المطار، زار الباي في قرطاج ومنها مباشرة إلى رادس لزيارتي. وسمع الزعيم بورقيبة بذهابه إلى دار حشاد فسبقه والتقى الاثنان هناك، وهو آخر لقاء تم بين الزعيمين.
كان صالح بن يوسف يريد أن يحضر يومها موكب الدفن في القصبة، وكان البعض يرتب لنزاع مسلح في توقيت الدفن بين جماعة الحزب وجماعة الأمانة العامة. ولكن بعد مفاوضات بين الطرفين استقر رأي الجميع على عدم تشويه هذا اليوم التاريخي في حياة النضال التونسي، لكي يبقى إسم فرحات حشاد طيّب الذكر في حياته ومماته وعنوانا. للوحدة ولمّ الشمل .